
تخيل لو أنه، حتى يومنا هذا، لم تظهر أيقونة البخار الزرقاء المألوفة تلك على شاشات أجهزة الكمبيوتر الخاصة بنا — ما هو نوع الحياة التي كان سيعيشها لاعبو الكمبيوتر الشخصي في عام 2026؟
قد تجد سطح مكتبك مزدحماً بالعشرات من “المشغلات” (Launchers) المختلفة، لكل منها قائمة أصدقاء ونظام حفظ مستقل. سيكون تغيير الكمبيوتر بمثابة هجرة كبرى، حيث يمكن أن تتبخر مئات الساعات من الجهد الشاق في أي لحظة. وكل هذا ما هو إلا غيض من فيض ذلك “العصر الحجري”.
اليوم سنتحدث عن كيف قام Steam – الذي كان اللاعبون يلقبونه في البداية بـ “البرمجيات غير المرغوب فيها” (Bloatware) – ببناء إمبراطورية رقمية تهيمن على العالم خطوة بخطوة، ولماذا يبدو العالم تحت هذا الحكم “الديكتاتوري” جميلاً بشكل مذهل.
الحقيقة الأولى: علاج القرصنة ليس القانون، بل “الخدمة الأفضل”
طرح مؤسس Valve، Gabe Newell (المعروف أيضاً باسم G Mập لدى اللاعبين الذين يحبونه ويكرهونه في آن واحد)، رؤية في عام 2011 أرست أسس الإمبراطورية:
“مشكلة القرصنة هي في الغالب مشكلة خدمة وليست مشكلة سعر.”
لاحظ في ذلك الوقت في روسيا (التي كانت ذات يوم جنة للقرصنة) أن الألعاب الأصلية كانت تستغرق شهوراً لتصل إلى السوق، وعادة ما تكون متاحة باللغة الإنجليزية فقط. وفي الوقت نفسه، كان القراصنة يوفرون نسخاً مكسورة الحماية في اليوم الأول، بل ويضيفون إليها بعناية ترجمات محلية قد لا تكون ممتازة ولكنها مفهومة.
كلاعب، لماذا تدفع المزيد من المال لشراء منتج يصدر متأخراً، ويقدم تجربة أسوأ، وبصيغة لغة لا تفهمها؟
لذا كانت استراتيجية Steam بسيطة: تقديم خدمة أكثر راحة وإمتاعاً من القرصنة.
هذا يشبه بناء نظام مياه جارية. القرصنة تشبه مياه النهر المجانية ولكنها خطيرة؛ عليك أن تمشي مسافات طويلة للحصول عليها، وأن تقلق بشأن البكتيريا (الفيروسات). أما نظام المياه الجارية في Steam فله تكلفة، ولكن بمجرد فتح الصنبور (الشراء والتحميل بنقرة واحدة)، ستحصل على مياه نظيفة (تحديثات تلقائية، حفظ سحابي). عندما تكون تكلفة المياه رخيصة بما يكفي ومريحة للغاية، لن يرغب أحد في المخاطرة بالذهاب إلى النهر لجلب المياه مرة أخرى.
الحقيقة الثانية: هل كان “حفل تتويج” الإمبراطورية في الواقع مقامرة قسرية؟
لا يتذكر الكثيرون أنه عندما تم إطلاق Steam في عام 2003، كان تقييم اللاعبين له يتلخص في كلمة واحدة: سيئ للغاية.
واجهة غريبة باللون الأخضر العسكري، سرعات تحميل بطيئة كالحلزون، وخوادم تتعطل بشكل متكرر. في ذلك الوقت، وصل الأمر باللاعبين إلى السخرية من شعاره بتصويره ككومة دوارة من الفضلات. ولإنقاذ هذا “الكيان الغريب غير المرغوب فيه”، قامت Valve بأجرأ مقامرة في تاريخ ألعاب الكمبيوتر: الربط الإجباري مع لعبة Half-Life 2.
في عام 2004، اكتشف المشجعون من جميع أنحاء العالم، الذين كانوا ينتظرون هذه التحفة الفنية بفارغ الصبر، عند شراء القرص الفعلي أنهم لن يتمكنوا من اللعب إلا إذا قاموا بتثبيت Steam – الذي كان يعتبر وقتها “برنامجاً غير مرغوب فيه” – وتفعيله عبر الإنترنت.
غمرت رسائل الغضب مكاتب Valve، لكن G Mập، كديكتاتور بدم بارد، أجبر ملايين اللاعبين على تجرع هذا “الدواء”. ومع انبهار الجميع بجودة اللعبة، اضطر اللاعبون للتنازل. في تلك اللحظة، بدأ البدو في القفر الرقمي يحصلون على “بطاقة هوية رقمية” موحدة.
الحقيقة الثالثة: “العقارات الرقمية” التي لا يمكن نقلها هي أقوى خندق دفاعي
كان G Mập يدرك جيداً أن مجرد وجود متجر لا يكفي؛ كان يريد حبس اللاعبين في “منزل لا يمكنهم الانتقال منه”.
عندما تستثمر عشر سنوات في Steam وتملأ جدرانه بـ “شهادات” (إنجازات) المعاناة لمدة 200 ساعة في Elden Ring، وتكون قائمة أصدقائك مليئة بالجيران القدامى في هذا المجمع السكني، وتكون صفحتك الشخصية مزينة بشكل جميل، فإن ذلك يصبح “عقاراتك الرقمية”.
| الموقف | تجربة ألعاب الكمبيوتر التقليدية | تجربة منصة Steam |
|---|---|---|
| شراء الألعاب | البحث عن أقراص وباتشات كراك في المنتديات هنا وهناك | شراء بنقرة واحدة، تحميل وتثبيت تلقائي |
| حفظ البيانات | نسخ احتياطي يدوي، تضيع عند تغيير الكمبيوتر | حفظ سحابي، انتقال سلس للتقدم |
| شراء ألعاب سيئة | سوء حظ ليس إلا | استرداد الأموال دون إبداء أسباب خلال ساعتين |
| أصدقاء مشتتون | مشتتون عبر مشغلات متعددة | نظام اجتماعي وإنجازات موحد |
هذا هو السبب في أنه حتى عندما يقوم المنافسون (مثل Epic) بتوزيع ألعاب مجانية كل أسبوع، فإن اللاعبين عادة ما يكتفون بـ “أخذ المفتاح والإقامة لليلة واحدة”، لكنهم يعودون في النهاية إلى Steam. لأن العلاقات الاجتماعية والذكريات لا يمكن نقلها.
الحقيقة الرابعة: متجر الألعاب ليس سوى القشرة؛ الجوهر هو “إمبراطورية مالية سرية”
هل تعتقد أن Steam يجني المال فقط من خلال اقتطاع عمولة 30% من مبيعات الألعاب؟ هذا تقليل كبير من شأنه.
خلف ألعاب مثل CS:GO (الآن CS2) و Dota 2 يختبئ نظام تجارة سكنات ضخم للغاية. يشتري اللاعبون مفاتيح بقيمة 2.5 دولار لفتح الصناديق التي قد تمنحهم سكاكين نادرة ذات قيمة باهظة.
الأمر الأكثر دهاءً هو أن Steam يسمح للاعبين بتداول هذه العناصر الافتراضية بحرية، بينما تلعب Valve دور “مصلحة الضرائب”، حيث تقتطع ضريبة من كل عملية تداول. إنها ببساطة ماكينة لطباعة المال في السوق الثانوية. جزء من كود برمجي تكلفته صفر يتم تداوله عشرة آلاف مرة في السوق، ويمكن لـ Valve تحصيل الضرائب عشرة آلاف مرة. الأرباح الناتجة عن هذه الآلية الجبارة تمنح Steam الثقة لتقديم خصومات هائلة بل وتوفير تحف فنية كبرى مجاناً، لأنه أصبح بالفعل كياناً اقتصادياً كلياً له عملته ونظامه الضريبي المستقل.
الحقيقة الخامسة: ديكتاتور غير مدرج في البورصة هو في الواقع أكثر “رأفة” من الشركات الكبرى؟
هذه حقيقة تدعو للتفكير: شركة Valve، التي تحكم سوق أجهزة الكمبيوتر العالمية، لديها فقط حوالي 350 موظفاً دائماً.
إنتاجية الفرد الواحد تفوق شركتي Apple و Google بمراحل. والنقطة الأكثر حيوية هي: إصرار شركة Valve على عدم طرح أسهمها في البورصة.
عدم كونها شركة مساهمة عامة يعني أن G Mập لا يضطر للقلق من رغبات المساهمين في وول ستريت، ولا يحتاج إلى ابتزاز اللاعبين من أجل التقارير المالية الربع سنوية. وهذا هو السبب في أنه يستطيع:
- تجنب إصدار ألعاب غير مكتملة لمجرد تحقيق أهداف المبيعات.
- بيع جهاز Steam Deck بسعر قريب من الخسارة لمجرد “كسب صداقة” المستخدمين.
- التمسك بالتخفيضات الكبرى وسياسات استرداد الأموال في الوقت الذي ترفع فيه الشركات الأخرى الأسعار وتسرح الموظفين.
بالمقارنة مع تلك “مزارع الماشية الصناعية” (الشركات المساهمة العامة) التي تساق بسياط المساهمين لإنتاج اللحم، تشبه Valve “صاحب ضيعة خاصة” لديه منجم ذهب في منزله، يدير العمل حسب رغبته ويوزع الفوائد أحياناً.
الخاتمة: هل نحن مواطنون محظوظون أم “أقنان رقميون”؟
يقدم لنا Steam اليوم بالفعل ساحة لعب مثالية تقريباً. لقد احتوى القراصنة، وأنهى الفوضى، وجلب راحة فائقة.
ولكن يجب علينا أيضاً مواجهة ذلك السؤال المهم: إذا كانت كل أصولك موجودة على هذه السفينة الواحدة، والقبطان يملك سلطة مطلقة، فهل هذا آمن حقاً؟
ماذا لو تقاعد G Mập يوماً ما، أو تم الاستحواذ على Valve من قبل رؤوس أموال بمليارات الدولارات، وتحول هذا “الديكتاتور العطوف” إلى طاغية؟ نحن الذين لم يعد لدينا طريق للعودة لن نتمكن سوى من أن نصبح “أقناناً” في العالم الرقمي.
ربما في هذا العصر الذي يفرض علينا “اختيار الأقل سوءاً”، فإن التمكن من الحصول على “نهاية حزينة تبدو مقبولة” مثل Steam هو بالفعل أكبر معجزة للاعبي أجهزة الكمبيوتر الشخصي.